عبد الملك الجويني
239
الشامل في أصول الدين
ذراعا جر من الحبل ذراعين ينثني أحدهما على الثاني . ولذلك ينجر الدلو ذراعين . ولو أخذ طرف الحبل من غير أن تنثني منه طاقة على طاقة لما ارتفع إلا بقدر ارتفاع الحبل . وهذا بيّن لكل متأمل . فهذه الإحاطة بالانفصال عن جملة تمويهات النظام ، لم نغادر صورة تكاد تشكل إلا أوردناها ، ولم يعد تصوير الدائرة من خط لا عرض له ، فإنا قد قدمنا فيه قولا مقنعا . فصل [ كل حركة سكون وليس كل سكون حركة ] اعلموا أرشدكم اللّه أن الجوهر إذا كان متمكنا على جوهر ، ثم تحرك منه إلى الجوهر الذي يليه ، فنفس دخوله الحيز الثاني خروج عن الأول . وعبر بعض أهل هذا الفن فقال : ليس بين خروج الجوهر عن المكان الأول ودخوله المكان الثاني واسطة . وهذه عبارة مدخولة ، منبئة مع تثبيت خروج ودخول متغايرين متعاقبين لم يتخللهما غيرهما . وليس الأمر كذلك ، إذ الدخول غير الخروج . والذي يوضح ذلك : أن الجوهر الثاني على المكان الأول لا يزول عنه مع كونه فيه . وإذا زال عنه فلا معنى لزواله عن الأول إلا كونه في الثاني إذ لا يصور أن يزول عن الأول إلا وهو كائن في الثاني . فمن ذلك قال أهل التحصيل : الدخول في الثاني هو الخروج من الأول ، وظهور ذلك يغني عن كشفه وهو متفق عليه بين مثبتي الأكوان . فإذا وضح ذلك رتبنا عليه الحركة والسكون ، وقلنا : الحركة من المكان الأول سكون في المكان الثاني ، إذ هو كون في الثاني والجوهر كائن به في الثاني ، والكائن في المحل ليس بمتحرك عنه . فوضح بذلك أن السكون في المكان الثاني حركة من الأول ، سكون في الثاني . ومن هذا قال المحققون : كل حركة سكون ، وليس كل سكون حركة . فالكون الأول في المكان الثاني حركة عن الأول ، والكون الثاني في المكان الثاني سكون وليس بحركة . فإن قال قائل : الحركة تضاد السكون كما يضاد السواد البياض . فلو جاز أن تكون الحركة سكونا ، جاز أن يكون السواد بياضا . هذا خلف من القول . فإن الحركة تضاد السكون مطلقا ، بل الحركة عن المكان تضاد السكون فيه ، والحركة إلى المكان لا تضاد السكون فيه ، وهذا يدرك بأدنى تأمل . وقد ذهب بعض أهل الحق إلى أن كون الأول في المكان الثاني ليس بسكون ، وإنما هو حركة ، والكون الثاني في المكان الثاني ، إن لبث الجوهر فيه ، هو السكون . واستدل هذا القائل بأن قال : الجوهر إذا مرّ متحركا في جهات يمنة أو يسرة على أرجاء ما تقدر ، فلم